عبد الرحمن بدوي
255
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
وحال الطبيعة عند النفس . وكل هذه وجودات روحانية . وكل ما هو أرفع فهو أكثر روحانية إلى أن نصل إلى المبدأ الأوّل : فهو الوحدة الحقّ والبسيط المحض - هذا من جهة العلوّ . وأما من جهة الانحطاط فكلما جاءت الوحدة تنقصت وكلما جاءت الكثرة اتسعت إلى أن تصل إلى الأجرام . وعندنا لذلك مثال : فإن الطبيب في نفسه صورة الصحّة المطلقة وهي واحدة ، فإذا نظر إلى ذوات الهيولى صارت الصحّات بغير نهاية ؛ والنجّار في نفسه صورة النجارة وهي واحدة مفردة ، وهي في الهيولانيات لا تحصى أنواعها وأشخاصها . ولولا القوى التي في البذور والنطف الخاصّة لما كان عنها كائن مخصوص . وهذا كله مما تعلمناه من أرسطو . * * * والفرق بين الدهر والزمان أن الدهر عدد الأشياء الدائمة الروحانية غير ذوات الحركات . والزمان عدد الأشياء الزمانية ذوات الأجزاء من جهة ما لها حركات . فالحياة يعدّها الدهر ، والحركة يعدّها الزمان ؛ والكل يعدّه الدهر ، والأجزاء يعدّها الزمان . والعقل يعرف الأشياء بلا زمان ، والحواسّ تدرك محسوساتها بلا زمان ، لكن مع الزمان . وإذا أردت أن تعلم : هل المفعول زماني ، فانظر إلى الفاعل . فإن كان تحت الزمان ، فمفعوله تحت الزمان ضرورة . والمبدأ الأول فوق الدهر وفوق الزمان ، وهو علتهما . والعقل والنفس مع الدهر ، وفعلهما في الدهر . والأجرام السمائية فوق الزمان ومع الدهر بالجوهر ، وفعلها مع الزمان . وعالم الكون تحت الزمان . فأمّا الصور والإدراكات فوجودها مع الزمان لا فيه ، لأنّها توجد دفعة ؛ والزمان يحوى ما كان له أجزاء ويوجد أولا فأولا . والزمان متصرّم والدهر ثابت . ونقول إن النظر في الموجودات يكون بنحوين من السلوك : أحدهما أن يسلك على قوانين كلية وعبارات عامّية من جهة ارتباط المعلولات بعللها . فإذا ارتقينا من المعلولات إلى العلل كان ذلك العلم « 1 » طبيعيا . وإن أخذنا ننحطّ من العلل إلى المعلولات « 2 » كان ذلك
--> ( 1 ) ص : الرحل ( ! ) . ( 2 ) ص : معلولاتك .